
منتصف الثلاثينيات: محطة تحول بين الطموح والواقع
متى يبدأ الإنسان بالشعور بأنه لم يعد شابًا؟
هل هناك عمر معين يمكن عنده اعتبار الشخص قد تجاوز مرحلة الشباب وبدأ يفقد الاهتمام بما يدور حوله؟ وفقًا لبعض استطلاعات الرأي، فإن منتصف الثلاثينيات قد يكون هو هذا العمر الفاصل. لكن ما هو العمر المثالي في حياة الإنسان؟
يرى البعض أن سنوات المراهقة الخالية من المسؤوليات أو فترة الدراسة الجامعية تمثل الزمن الذهبي في حياتهم. ومع ذلك، فإن بلوغ 35 عامًا يعد محطة تحول رئيسية، سواء على المستوى الشخصي أو المهني.
تحديات منتصف الثلاثينات:
أظهرت دراسة أجرتها جامعة كِنت البريطانية أن عمر 35 عامًا لا يمثل فقط نقطة يُنظر فيها إلى الأفراد على أنهم لم يعودوا شبابًا، بل إنه العمر الذي يصل فيه الرجال إلى أعلى مستويات الشعور بالوحدة، بينما تشعر النساء ببلوغهن ذروة الملل. وفي السياق نفسه، كشفت دراسة أجرتها شركة “روبرت هاف” للموارد البشرية في بريطانيا أن هذا العمر يمثل نقطة بداية فقدان الرضا الوظيفي، حيث تزداد الضغوط العائلية والمسؤوليات المالية، مما ينعكس سلبًا على الحياة المهنية والأسرية.
مخاوف الاستقرار الوظيفي
مع الوصول إلى منتصف الثلاثينيات، يصبح الأمن الوظيفي مصدر قلق متزايد. ووفقًا لبيانات المكتب الوطني للإحصاءات في بريطانيا، فإن الموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عامًا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم بمقدار الضعف مقارنة بأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن معدلات الرضا الوظيفي في هذه الفئة العمرية أقل، حيث أشار استطلاع رأي إلى أن واحدًا من كل ستة موظفين فوق 35 عامًا غير راضٍ عن وظيفته، وهي نسبة ضعف عدم الرضا بين من تقل أعمارهم عن 35 عامًا.
ويرى الخبراء أن الشباب في بداية حياتهم المهنية يستفيدون من انخفاض سقف توقعات مدرائهم، بالإضافة إلى امتلاكهم طموحات كبيرة للمستقبل. في المقابل، يواجه الموظفون الأكبر سنًا تساؤلات جوهرية حول مدى تحقيقهم لأهدافهم المهنية والشخصية.
تأثير العمر على قرارات الحياة
تشير جوليا كلارك، الباحثة في شركة “إبسوس” لأبحاث السوق، إلى أن تقسيم الفئات العمرية ليس دقيقًا دائمًا، حيث قد يكون الشخص البالغ من العمر 20 عامًا في مرحلة حياتية مختلفة تمامًا عن شخص يبلغ 29 عامًا، رغم تصنيفهما ضمن الفئة نفسها.
وفيما يتعلق بالنساء، يواجه العديد منهن بعد سن 35 عامًا مخاوف متعلقة بالخصوبة، على الرغم من أن الدراسات الحديثة تفيد بأن التراجع في الخصوبة لا يحدث بشكل حاد كما يعتقد البعض. كما أن هناك توجهاً متزايدًا في الولايات المتحدة لتأجيل الحمل إلى ما بعد الثلاثينيات، إما لمواصلة التعليم أو لتحسين الأوضاع المهنية.
قرارات مؤجلة وضغوط متزايدة
يؤكد ديليب جيست، مدير مركز الشيخوخة الصحية بجامعة كاليفورنيا سان دييغو، أن الفكرة الشائعة بأن العشرينيات والثلاثينيات هي أفضل فترات العمر ليست دقيقة بالضرورة، إذ تمتلئ هذه المراحل بالضغوط والمخاوف المتعلقة باتخاذ القرارات المصيرية. ومع ارتفاع متوسط الأعمار في الدول المتقدمة، واتساع الفرص المهنية، أصبح من الصعب اتخاذ قرارات حاسمة مبكرًا كما كان الحال في الماضي، مما أدى إلى تأجيل الزواج والإنجاب والاستقرار المهني إلى ما بعد الثلاثينيات. الجانب الإيجابي للتقدم في العمر ورغم التحديات التي ترافق التقدم في العمر، فإن الجانب الإيجابي يتمثل في اكتساب الحكمة والقدرة على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا. فمع مرور السنوات، يتطور إدراك الإنسان لذاته، وتزداد قدرته على التعامل مع المواقف الحياتية بشكل أكثر عقلانية، مما يسهم في تحقيق مستويات أعلى من الرضا والسعادة على المدى الطويل